2015/08/30

أعيشُ كَما أهوى أنا، ~

تلكَ الطُرق الطويلة ... تعزفُ الحَنين،
ترتسمُ في شوارعِ المَدينة دمُوع،
يُغني المَاشي عَلى خُطواتِ الغَريب،
ويُطبطبُ الفتَى عَلى كَتفِ العجُوز،
يحترفُ الحُزن التسلل إلى أرواحِ الصَامتِين،
تتكلّل البُيوت بأطواقِ البُؤس الشَنيع،
ويحملُ الخَبّازُ فطيرةَ الصبَاح .. يشتمُّها .. يبتسم .. ويُكرر :
"هذا الصبَاحُ للمُتفائلين، فتبسّمُوا إن الفأل جَميل"
ينثنِي خَلف الطاولة شابٌّ عشريني ..
يُنزل نظارتَه .. يُغلق كِتابه .. يتحركُ مُوجهًا نظراتُه إلى خَباز الحَاره :
"ما الذي يجعلكَ مُتفائلًا كُل صبَاح !؟
أترى في وُجوه الآخرين استجَابة ؟
حيُّنا يا عَمي قَد مات مُنذ زَمن،
حتى الصِغارُ فَقدُوا لذة الطفُولة وباتُوا لا يستهوون الابتسَامة !"
يبتسِم، يسمعُ بكَاملِ جَوارحِه، ينتهِي الكَلام ..
يُكمل حشوَ فطيرتِه فيَمُدُّها لليائسِ بينَ الكُتب :
"يا بُنيّ، إن هُم كَانوا يائسينَ لتلكَ الدَرجة ..
أيجبُ على مَن شاخَ مِثلي أن يُجارِيهم ويَحزن ؟
أعيشُ كمَا أهوى أنا،
سيتغيرُون إن هُم أرادُوا .. فالله لا يغيّر ما بقومٍ حتى يُغيِّروا ما بأنفسهم"
يضعُ الفَطيرة في يَد ذاكَ الشاب، يشكُره، ويزجّ بنفسه خَلف الطاولةِ أُخرى،
يفتحُ الكِتاب .. يُغلقه .. يُقلّب الكِتاب .. يرمِيه فوقَ أكوامِ الوَرق .. يأخُذ آخر ..
لا يُعجبُه المُحتوى .. يزجُّ بهِ فوق الكُرسي الآخر، يسندُ رأسه .. يُفكِّر .....
"أينَ وصلتَ ؟"
يبتسم للصغير، ويُجيب مُتهلّلًا :
"إلى النِهاية : عِش حيَاتكَ ... أنت"
يقوم بحمَاس، يجمعُ شتات الوَرق المُتخلِّف عَن الجمَاعة ويُرتّب حاجاتِه،
ويبتعدُ عَن الضيق الذي خَنقهُ طويلًا ... يشتري الحَلوى والبالُونات،
يشتري الكُتب، يُبعثر الكُور ليتسلّى بِها مَن أراد، ويلتفتُ للعَم :
"أعيشُ كَما أهوى أنا، وفي سعادةِ الآخرين بعضُ سعادتِي"
ويُكملُ دندناتِ العَم، ويتحلَّقُ الصِغار، وتغدُو الحَياة .. حَياة ! ♥

ميعاد المصيلحي
1435/7/25هـ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق