2017/04/14

"رَاحت".

جَاءتني بالخَبر، كأني لم أسمع خبر وفاة قَبل مجيئها، قبل أن تقُول أن قريبًا لها تُوفي، كأنني أحتاج تنبيهًا آخر، كأني أنعي نَفسي أو أن دَوري قَريب.. قَريبٌ جِدًا!
لا أعرفُ المواساة في هذا الخَبر يا صديقتي، لا أعرف كيف أخبركِ أن تَصبري، لا أدري كيفَ عليّ أن أقول لكِ "إنا لله وإنا إليه راجعون"، يا صديقتي صدّقيني أُشَلُّ حين أسمع هذا الخَبر لأي أحد؛ لأني أعلم أن هُناكَ مَن هُو فائضٌ بالذكريات عن فقيده ذاك، أعرف كم هُو مُرهقٌ ومُبكي جدًا مراودة الذكريات له في كُل لحظة، لأنه كان يسامره دائمًا ويبقى معه لفتراتٍ طويلة، تخيّل كم هو مُوجع أن تفقد شخصًا ملأ حَياتكَ وجُلّ أوقاتك، كنتَ تُحادثه منذُ تفتح عينيكَ بعد مَنامك وتُخبره "حلمتُ بك"، وهل تحتاج أن تراه أكثر وأنتَ قد حطّمت كل الأوقات القياسية حَتى المنام؟ ويُذكّركَ هُوَ "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور، أصبحتَ وأصبح الملك لله يا غَالي" وتُردد الأذكار من بعده لأنه يرفض أن تحكي له شيئًا قبل أن تقول الأذكار..
في اليَوم الذي يُدفن فيه غَاليك تظلّ تنظر للأسوار وتذكُر كم مرةٍ عبرتما من هُنا وسمعتَه يهمس "السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين، أنتم السابقون ونحنُ اللاحقون" وتذرفُ دمعكَ، لحِقهم.. وما تزال كلماته حزن يغُور في داخلك، كَم مَرّ من هنا وقَال تلكَ الجُملة: "ونحن اللاحقون" وأنت تعلم أنه يُحسّ بكل نبرةٍ فيها، بكُل حَرف، تعلمُ أنها لم تعبره في مرةٍ دونَ أن يقف ويدعو لمَن فَقد.. الآن؛ ها أنتَ تقف وتدعو له ولهم.. أولئك الذين كان يُخبركَ أنه حنّ إليهم، أنه اشتاقَ ويريد لُقياهم لا في الحُلم، يقول: "لو أعاد الزَمان نَفسه" وكما لو أنكَ لم تَسمع، لم تتخيّل أنكَ ستقُولها عنه لتُعيد تلكَ الأيام التي وقفتَ ضده، وأزعجته، وانشغلت عَنه..
في الحَرف الذي نَطقته صديقتي وهي تحكي لي عن فقيدتَها، وتُخبرني كيفَ كانت، لم أقاطعها، لأنها وقتَ ذاك كَانت تبتسم! كانت تَرى الذِكرى أمامها حَية، لم تَقبل الرحيل بَعد، لم تتصوّره، لم تُصدّق أنها لن تَراها أبدًا.. قد كانت تَحكي.. وكنتُ أتمتم بدعاء الرَحمة لئلا تسمعني فأُفيقها من سعادتها، تستلذّ وهي تحكي الذكريات المضحكة؛ والحُلوة وتلك التي تثير الحُب في قَلبها، ثُم.. تنزل دمعتها وينخفض صَوتها وهي تَصحو من أحلامها: "راحتْ".
وأمسح دَمعها ويغرق الكَلام.

- ميعاد عبد العزيز
1438/7/17هـ * العاشرة مساء الجمعة

اللهم ارحم موتانا ومَوتى المُسلمين، اللهم توفّنا وأنت رَاضٍ عنّا.

2017/04/08

"روايتكِ؟" وتتعثر الذِكرى.

وَجدتني أطبع رواية، ورُغم وُجود اسم الكَاتبة على الغلاف المطبوع سألتني: "روايتك؟"! رُبما لأنه اسمٌ مُستعار، ضحكتُ: "كلا.. إنها رواية أحببتُها".
وبقي المَوقف يلاحق طَيفي..
لو كُنتُ أنهيتُ روايتي، ما الذي كان يُمكن أن يتغيّر؟
تعطّلت جميع الأفكار عن الرواية التي تُطبع بجانبي ورقةً وَرقة، وكنتُ أخبرهم أنها تجاوزت الأربعمائة صفحة! مَن كان ليكترث ما هي هذه الرِواية التي جُننتُ بِها؟ لكنهُ كان سؤالًا واحدًا أعادني لحُلمٌ طفوليٍّ قديم، أعادني ليومٍ كنتُ أراني فيه أحمل كتابي المطبوع وعليه غِلافه وبيدي نُسخٌ منه أوزّعها على الصُحيبات وعليه توقيعي الشَامخ،
قد كانت مُجرّد فكرة، وكان عَليها أن تعبُر، لكنها لم ترضَ، اتخذتْ طريقًا مُعاكسًا وعادتْ لي، تسمّرتْ أمامي كمن يُريد أن يُفيقني من غَيبوبةٍ على الرَصيف، كما لو أنني نمتُ فجأةً وضَاعت هيَ مني ولمّا وجدتني لم تفتأ تُحرّك نسائم الأفكار التي تخصّها، قد كنتُ أكتُب روايةً يومًا ما، وكنتُ شغوفة.. هيّا لنعُد؟!
الحياة تقف مساندةً لي! تهبني من المَواقف ما يُتمّم أجزاء الرواية المُبعثرةِ هُنا وهُناك، لم تعد تأتي بالخَيالات والأحلام فقط، إنما أنزلتْ كثيرًا من المواقف على الوَاقع، لتُريني النتائج وتُعلّمني وتزيدني مَعرفةً لأكتُب على بيّنة، الحياة تُساندني لأُكمل..
في طريقي وحينما تعثّرتُ بنَقدٍ سَاخر لفِكرتي التي تبنّيتُها عن حُب حتى بدأت تُثمر، لم أٌواصل المسير، حاول القَلب الشغُوف بالحَيوات فيهِ ان يُحرّكني ويُعيد ليَ اتزاني بعد ذاك السقُوط، الانحدار، الكَسر الذي لم أملك له أملًا ليبرأ سريعًا، أُرهقتُ من إسناد نَفسي بمجرّد خيال المُستقبل وكيفَ ستكون رؤية الناس ونظرتهم، أُحبطتُ من مجرّد حُسن الظَن، وبقيتُ لا أُحرّك حرفًا في آخر الرواية،
يحدوني أملٌ صغير فأعيد ترتيب الرواية وحياكتَها منذ البِداية، وأجدُني أتوقف في مكانٍ بعيد، بعيدٍ قد تجاوزتُه في المَرة الماضية، ينتهي الأمل، ولا أبحث عن أملٍ جَديد، وأُعلّق على جُدران قَلبي أني قاصّةٌ لا روائية! وكنتُ أقولها لئلا أكسر الحَرف فيّ ولا طفلتي التي علّمتني الأمل والطُموح وكان أول مَن خَطّ أفكاري فأقمتُ العَهد ألا أترُكها..
أعلم كم قصصي تحملُني أكثر من حَمل أشخاص خَياليين، لا أخرج عن حُدود الوَاقع كما لو أني أجسّد حياةً على الأرض، أنا التي كنتُ أكتُب الخَيال البَحت ولا أفهم نَقدهم وقَولهم لي أن مثل هذه القِصص لا تنجح، لا تبلغُ الذَوق العَام، وعليّ تغيير نمط التَفكير، وأتناسخ!
كانت طِفلتي تَعبث بتلك الكَلمات، فتصلني غير مَفهومة، حينما فاجأتني الحَياة بانقلابها التَام، تفتّحت عَيناي على كُل شيء، ولم تُجدِ المحاولات في إعادة خَيالاتي كما كَانت، وجدتُها طفوليةً بحتة فتخلّيتُ عنها، "لقد كَبُرتُ" وليتني لم أعرف ذلك حينها،
ها أنا.. بعد مُضيّ أعوامٍ طَويلة؛ وجدتُ شخصًا من الغَابر القَديم يقف بجانبي ويُطالع روايةً مطبوعة بجانبي ويُعمى بَصره عن اسم كاتبتِها المطبوع بالعريض فيسألني: "روايتكِ؟" فيضحكُ قَلبي ساخرًا من الحَياة وتهزّ أوتاري الطِفلة في أعماقي:
"فلتكُن يومًا روايتكِ".

- ميعاد عبد العزيز المصيلحي
1438/7/11هـ * 3:30 نهار السبت.

التفسير وعلوم القرآن - منهُ إلى السماء

عِندما أقرأ للآخرين عن تخصصاتهم، وكيف يكتبوا عنها بحُب، عن المشاعر التي تتعمّق في أفئدتهم حتى يبسطوا لَنا أحلى التَعاريف للتخصص الذي كان حُلمًا من أحلامهم، أجدني أقف متعثّرة بأحرُفهم، يُسقطني كُل حَرفٍ ويُقوّمني تَخصصي، حَتى جاءني اليَقين أن عليّ الكتابة عن تَخصصي حتى وإن لم أُنهِ عامي الأول فيه!
كلٌ يسمّي حُلمه وشغفه وتخصّصه بما يُحب، وعني.. فإنه "الرُوح
عندما احترتُ في اختيار التَخصص لم أحتر في الكُلّيات وإنما في فروع الفُروع، كنتُ منذ نعومة أظفاري أريدُ شيئًا يتعلّق بالقُرآن، أجدني مُغرمةٌ به كما لو أن الله سخّرني لأخدم مُصحفه بكُل ما أوتيتُ من رغبة وقوة وشعُور،
منذُ طفولتي كان القرآن يستهويني، صوتُ أبي وهو يرتّله، المساجد وهي تجمع المؤمنين فيها لتسمع نديّ الصَوت وهو يمدّ في الآي ويتأثر ويبكي.. لطالما كنتُ أتمنى أن أكُون إمامًا لو كنتُ رَجلًا! لكنما الآن ارجو أن يكون ابني كذلك، ابني حَاتم!
في خضم الاختيارات وترتيب الرَغبات لم تتزعزع للحظة الرغبة الأولى "التفسير وعلوم القرآن" وكانت التخصصات تحته تتغير بين الفينة والأخرى، كما لو أنهم في طَابور معميّين عن الوَاقف الأول ولا يستطعن تَجاوزه ويتخاصمن على الواقف الثَاني! كان قَلبي معميّ عن الرغبة الأولى فيما أنا أعيد ترتيب رغباتي، أقدّم وأؤخر وكُلي يَقينٌ أن الرغبة الأولى هي الفائزة في هذا الوُقوف الطَويل،
عندما قُبلتُ في التخصص، توقّفتُ مليًا! لم أفرح فرحًا كاملًا، كما لو أنني تذكّرتُ فجأة أن تخصصًا آخر لم ألقِ له بالًا كان سيحقق حُلمي بطريقةٍ أثمن! حاولتُ بعدها أن أفرح، وأنا أخبرني أن الخيرة فيما اختاره الله، ولو كان تخصصًا آخر فيه الخَير لتُجُوزت جميع التخصصات المُرتبة بعناية إلى ذاك التَخصص المؤخَّر.
سعيدة بكُل ما وصلتُ إليه في جميع النَواحي التي درستُها، لم يكُن التخصص مجرّد شغف، هو حَياة، رُوح فعلًا، تعرّفتُ فيه على الكثير من تَفاصيل الحُلم الذي أرجو، لم أتخلَّ عن طُموحي ولم يمنعني التفسير وعلوم القرآن أن أكون كاتبة، أو قاصّة أو روائيّة! لم يدفنّي وإنما صَعد بي وسَما..
ودومًا تخصصٌ يتعلّق برَب السَماء سيكون حلوًا طيّب المَذاق سُكّر ")

- ميعاد عبد العزيز المصيلحي
1438/7/11هـ * 2:55 ظهر السبت

2017/04/04

مخيم كائن2

كنتُ قد حضرت فعالية لطيفة لفريق يتيمٌ ألهم العالم، كان اسمها مُدخل صِدق، وسُعدت فيها وبطريقتهم في إيصال السيرة النبوية التمثيلية وكأننا نعيش في تلك الأحداث البسيطة.. منذ ذلك الوقت وأنا شغوفة بأي فعالية للفريق، حتى ظهر لي مخيم كائن الثاني،
ثلاثة أيام، من أروع الأيام التي عشتُ فيها لا أسمع إلا السيرة النبوية، لا أشاهد إلا مواقع الغزوات وحيث وطئت قدما الرسول صلى الله عليه وسلم، عشتُ ثلاثة أيام وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم "كائن بيننا وإن رحل"، فعلًا شعرتُ بذلك حتى الدرجة التي أمسكتُ فيها كتاب الرحيق المختوم وأنجزتُ في ساعات قلائل ما لم أنجزه في أيام! كان الشغف بعد مخيم كائن ليس كأي شغف ’
حقيقةً مخيم كائن2 جدّد الحياة في رُوحي، قد كنتُ أملؤها بالقرآن؛ وكان هناك ذلك الفراغ الذي لا يمتلئ إلا بالسيرة النبوية، بتلك السيرة المُعطرة البهية النقية، السيرة التي تُنزل القرآن واقعًا يُعاش ويُحيا فيه، غير ما تُوجده من فِهم للآيات ووُضوح كبير لَها، لم أندم على تلك الأيام ولا أظنني سأندم..
كنتُ بين فريق مُشرفتيه عالمٌ آخر، وصديقات ذوات ثقافة عالية وتَعاون وحُب ولُطف، مَن يشعر بالغُربة في ظل هؤلاء؟ كان تساؤلًا إجابته وجدتُها حيةً أمامي: لم تكن أي واحدة تجلس منفردة، كان الكُل إخوة، كم رددوا علينا أننا كالمُهاجرين والأنصار! ولا بُد من الإخاء والإيثار وكُل ما اتصف به الأنصار في المدينة! مَن المُهاجرين؟! لا أدري! لكني كنتُ أشعر بحُلو الشعُور وأنا أستلذّ بالتعارف بيننا ثم تلك الساعات لم تجعلنا إلا أخوات، انطلقت العفوية مِنا حين التقينا في يومنا الثاني، وفي يومنا الثالث الأخير كان قد أتمّ كُل فردٍ منّا النبذة التعريفية عنه لا بالحديث إنما بالفعل ‘
على تلكَ الأرواح التي أعطتْ بابتسام ورِضا وصبرٍ طَويل وأخلاق سامية؛ عليها السلام من ربي ورحمة وبركات ")
أحبكن!

"ليكن شطركِ نحو المدينة فثمة نورٌ لا ينطفئ"

- ميعاد المصيلحي
1438/7/7هـ * 7:44 مساء الثلاثاء.