2015/10/16

أثَر ~

دَفعًا لكُل ما يَحدث، أمسكتُ بالقَلم وخططتُ على السَبورة {لعلّ اللهَ يُحدث بعدَ ذلكَ أمرًا}
سكُونٌ عَمّ الصفّ آن ذَاك.
كان لابدّ من انطلاقة عَظيمة بعدَ تلكَ الحُروف التي خططتُها، لكي يهدأن البَنات ونستطيعُ أن نُفكّر بهدُوء،
ابتسمتُ لَهم وما زال عَلى وجُوههم العبُوس، أشرتُ لهُم إلى خَدّي فابتسمت البَعض عَلى مَضض، حينَ ابتسمتْ وَعد بامتِنان،
كانَ ذلك يحدث بشكلٍ شبه يَومي، احتجاجاتُ الطَالبات لا تَنتهي، وأجدُهم بَناتي فأضعُ عَني حِمل دَرس الدين لأُصغي لكُل شكاوِيهم، "الضغُوط يا مُعلمة، الواجِبات، لا وَقت، مَتى نَستريح، لا نُريد الجَامعه، الظُروف" لرُبما اخترعُوا الأعذار وعَمّموها لكي تَكتمل الصُورة في ذِهني !، رُغم أني حِينها أكُون في مَاضيّ .. حينَ كانُوا زَميلَاتي يشتكينَ ذاتِ الشَكاوي، وكنتُ صَامته دومًا .. أسمعُ لهم ثُم أرقب رَد المُعلمة،
كالعادة .. تختلفُ آراءُ المُعلمات، منهُم مَن تَظنّ أنهم قَصدوها فتُخفف عنا الوَاجبات أو تُسكتُنا لئلا يضيع دَرسُها أو لا نصلُ مَعها إلى حَل فتُبرّر لَنا قَاطعةً حَديث القُلوب "لا تُضيعوا وَقت الحِصة"،
وعد .. أظنُّها تُشابهني، تنظرُ للبَنات، تسمعُهم بصَمت، وتنظرُ لي، لملامِحي، تنتظرُ ردًا يُنهي هَذا كُله ويُرضي الأطراف كُلها ..
حينَ كُنتُ أُجيبهم بآيه، تبتسِم بامتِنان وتَسرحُ عن بَاقي الحَديث، وحينَ أُجيبهم بالحَياة وجِهادها تكتُب في دَفترها الأصفَر ما لا ألحظُه، قد تكُون بَعثرة .. لا أظنُّها تُسطّر كَلامي، رُبما لأني أظنُّها تُشبهني،
تنهّدتُ بعدَ كُل كَلامِهم .. أرادَت إحداهُن أن تُكمل، همستْ "اشششش، أنصِتوا !"
في الحَقيقة .. لا يُوجد صوت يُنصتُوا إليه، لكنّي أردتُ الهُدوء، أن تتوقّف العَاصفة في عقُولهم،
دعوتُ اللهَ في سِرّي أن يُلهمني كُل الحُروف التي ستقضِي عَلى العَاصفة تمامًا، بصوتٍ هادئ :
- صوتُ أنفاسِك، ريحٌ بَارِدة ...
قاطَعتني إحداهُن بتهكَم "لا هَواء، إنهُ الحَر"، استرسلتُ :
- وقعُ أقدامِك عَلى أورَاق الخَريف المُتساقِطة !...
أرى عُيونًا تزدريني، أُخرى تهمسُ لصديقتِها بالمجنُونه، أخرى تنظُر بمَلل ثم تترقّب النِهاية عابِثةً بنَظرها في شَكلي !، أُكمل :
- تسيرين معَ أقربَ صديقاتك، ترددين كلماتًا في وَرق، كُلما حَفظتِيها اتسعَ لَك الأُفق، الشمسُ دافِئة، الهَمّ يزدَاد، تَرين حَديقةً غَنّاء أمامَك، تشدّين عزائِمك، تُنهين آخر وَرقة فينبجس عندَ قَدميكِ جَدول، تضعين أقدَامَك فيه، باااارد، تترَاقصان ثُم تبدءان برشّ المَاء عَلى بَعضكُما، تضحكن مِلء قُلبيكُما، تَبحثَان عَن الوَرق حينَ إرهاقِ لَعِب، تجدنُه أثرًا خَالدَا لمسيرتكُما .. حَتى الجَنة.
يَنتهي وَقتُ الخَيال، يعلُو صَوتي دافعًا الهِمةَ في نُفوسهن :
- لا تفتُر العَزائمُ يا بَناتي، تضيقُ بِنا أوقَاتُنا، فنُرتّبها، نحزمُ السَاعات، لدينا 24 سَاعة، نصفُها نومٌ، ورُبع النِصف لَعب !، بقيت تسعُ ساعات، قسّميها عَلى أشغالكِ الكَثيرة .. الكَثيرة جِدًا !، حتمًا هُناك وضقت، ويفيضُ أيضًا .. هذَا أمرٌ أوّل، الثَاني .. كُل المُهمّات المطلُوبةِ مِنكِ تُحبيها -تخيّلي-، البَحث، استزادةٌ في العِلم، الحِفظ قُربةٌ للجَنة، العَمل اليَدوي شهُودٌ بالخَير،
ماذا عَن الضغُوطاتِ يا مُعلمتي ؟، لا شيء يا أختي، لا ضغُوط ما دَام في الوَقت مُتّسع، لنَكتُب مَعًا .. ماذا لَديكُم من مَهام لتقضُوها اليَوم ومُلزمن بتقدِيمها غَدًا ؟.
أخذتُ قَلمي الأخضر وبدأتُ بالكِتابة عَلى السبّورة، وعدد الساعات التي تستغرقُها كُل مَهمّة، وأفضلُ الأوقات لكُل مَهمة، والطُموح، المُستقبل، وعلاقةُ كُل مَهمة بطُموحاتِهن والجَنة،
- انتهَينا.
قلتُها بابتسامة بُودلت بنظراتِ ارتيَاح، وابتساماتِ امتِنان، ومَلامحٍ عالقة عَلى السَبّورة تُفكّر وتُقلّب الأمر في العَقل، وابتسامة عَظيمة من وَعد وهيَ تكتُب عَلى دَفترها شيئًا بالخَطّ الكَبير .. ثُم تَرفعُه عَاليًا فأقرأ "نَادِرة؛ بُوركتِ أمي" وقلبٌ عَلى خَجلٍ يُحاول الاتزانَ عَلى طَرف اليَاء، ثُم أنزلتها قبلَ أن يلحظَنها الزميلات،
تبقّى من الزَمن القَليل، سمعتُ فيه أسئلتهُنّ التي أنبأتني بتغييرٍ حَرّكتُه فيهن وهمةٍ قوّيتُها، حمدتُ الله،
انتهت حِصتي، حملتُ أقلامي وكُتبي واستودعتُهنّ الله، آملةً أن أكُون وُفّقت، رُغم أني لم أعطِ دَرسي، لكني مُؤمِنة .. أنهُ لا أحَد سيهتمّ بما لا يجد لهُ قَدرًا عِنده، ومَن يحملُ هَمًا ومَن انشغَل قَلبه،
لم آسفَ عَلى حِصتي، فما أهدرتُها، ما دَامت الوَحيدة التي ظلّت في أذهانهُن حَتى تخرّجن من الجَامعة .. وأتينَ يحكينَ لي عَن حَياتهِن وما تَغيّر فيها،
لم تكُن قاعِدة دِراسية، إنها الحَياةُ تُعلّمنا، ونحنُ نتعلّم بالتَجربة والفِعل ثُم نُحوّل ذلكَ إلى كلماتٍ راسِخة، يُخبرنني :
- حينَ أتيتِ في اليومَ الذي يلي تلكَ الحِصة، فكّرنا أن نُعيد ذاتَ حَديث الأمسِ لكِ، لكنكِ فاجأتِنا بدخُولكِ بِلا كِتاب، كيس لُعَبٍ في يديكِ وابتسامةُ مُشوّقة لحِصّتك، أنستنَا كُل خُطَطِنا، كانتْ تِلك الحِصة هي العَمل للجزء النَظري في أمس ذلكَ اليَوم، ربطكِ للآياتِ بحَياتِنا واستغناؤكِ عَن حِفظ الكِتاب ونُصوصه والحَديث بقلبكِ إلينا ثُم جَعلنا نربط الآيات في التَفسير ونُعيد التَوحيد إلى قُلوبنا ونُثبّت الإيمان في وِجداننا ونَسمع الرسُول صلى الله عليه وسَلم يُحدّثنا ببصائرنا، أنتِ مَن بقيَ في الذَاكرة .. أخطأنَا .. بل في القَلب، جزءٌ مِنكِ في حَياةِ كُل واحدةٍ مِنّا.
تتقدّم وَعد، تمدّ يَدها بكِتابٍ ذُيّل باسمِها، وعُنونَ باسمي مَوصُوفًا "سقتني حَياه"، وكهديرٍ نَقيّ أردفتْ بعدَ كُل جَيشِ الكَلمات التي قُلنها زميلاتها :
- هذا الوَفاء، بقلُوبنا جميعًا كتبتُه لتُخلّدي.

كُن ذا قَلبٍ أبيَض، حَاول مِرارًا أن تبدأ التَغيير مِنك،
وافشَل، لتسقي بخِبرتكَ أزهارًا تحتاجُك،
بهم نَجاحك آبد.

1436/1/3هـ * 2015/10/16م
ميعاد عبد العزيز المصيلحي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق