2016/08/24

جَامِعيّة ~

- رسيل
رسالة تَردني على هَاتفي وأنا مُنغمسة في أفكاري وخَيالاتي، أقرأ الرسائل من التنبيهات :
- صباح الخير، كيفَ حالكِ ؟، أتمنى أنكِ بخَير.
أتأمّل في الرسائل والمُرسِل، أتنهّد .. أفتحُ لئلا يفُوتني هذا الوقت الثمين الذي تفرّغت فيه مُعلمتي لتذكُرني، نظرة خاطفة لرسائلها مُجددًا، و(مُتصل الآن) تنبض بها شاشتي،
- يا أهلًا، صباح النُور معلمتي، الحمد للهِ أنا بخير، ماذا عنكِ ؟.
أُجيبها بوجوه تعبيريّة وأنا خائفة من المحادثة التي طرأت فجأة،
تُجيبني :
- الحمد لله.
نصمتُ .. أظن أن المحادثة انتهَت هكذا، تعودُ لتسأل :
- كيفَ هيَ أول أيام الجامِعة ؟.
- الحمد لله.
إجابة سريعة مع ابتلاع غَصة بكاء، أتوجس من التعمّق في السؤال عني فيها ومعها،
- والبنات ؟. - الحمد لله.
- الدكاتره ؟. - الحمد لله.
أكتُب على عَجل، لئلا يسبق القلبُ فيبُوح ويبكي، أكتمُ الأحداث وأرغمها عَلى أن تكون حُلوة،
تعودُ لتسأل : رسيل متضايقة ؟ هذه ليست ردودك.
أدركُ أني أخطأتُ، فتي المُعلمة تحديدًا تعرفُني كمَا تعرفُ الأم ابنتَها، أصمت وأبحثُ عن جَواب، جوابٍ لا يجعلُني أبوح بكُل ما لديّ دفعةً واحدة كما يحدثُ دائمًا ثم أعتذر..
تُرسِل : الجامعة تُغيّر الكثير، خالفت توقّعاتك؟
- كُليًا.
إجابة لا إرادية بدمعة وشَهقة،
يرِن الهَاتف في يَدي، إنها مُعلمتي ذاتُها، لم يسبق لها أن اتصلت، ترددتُ في إجابة اتصالِها، وترددتُ، حتى انتهى الرَنين، عادت تُرسل : أنتِ بخير ؟.
تذكرتُ حينَ بكَيتُ في حِصةٍ لَها فما توانَت أن تسألني عن السبب ثُم ما توانَت عن الاتصال بِي يومَها لتطمئن، كان شيئًا مُفاجئًا لي بكُل ما تعنيه كلمةُ المفاجأة، لم أدرِ بمَ أجيبها هذه المَرة، أأُخبرها فِعلًا أن الجامعة لا تسُرّني وكُل عِلاقاتي تَحطمت وباقيةٌ أنا على شذرِ حُلم وبَقايا أمنية رُبما تصنع فارقًا ؟
مرّت دقيقتان ولا أزال صامتة ولا تزال تنتظر إجابة، أراهَا تكتُب فأطمئنّ مُجددًا وأتوجس مما سيأتي، تصل رِسالتها : لم نبدأ الكَلام ما زِلنا، لم نَحكِ شيء، طرأ أمر ؟ مشغولة ؟.
تضيعُ حروفي وتتصادم أصابعي حينَ أريد الرد عَليها، أكتُب وأمسح، أكتب :
- بخير لم يحصُل شيء، فقط الجامعة خيّبت التوقعات، فترة ونعتاد.
أُرسل، فتُرسل : أيضًا هذا ليس ردك.
وتُكمل كِتابة فأقاطعها : تتقبّلي سوداويّة الكلام إن جاءتك ؟. !
تردّ : قولي.
كأنها تُحرّضني على البَوح، كأنها تحرّض الدمع للنزُول والبكاء على الظهُور، أشهق مرةً ومَرتين وينزل دَمعي، تعُود فتكتب : غدًا أسافر لحائل مُجددًا، أيمكننا اللقاء اليوم ؟.
كأنها عَرفت أنني لا أستطيع مُحادثتها كتابةً، كأنها عَرفت أن اللقاء أسهل ومَلامحي ستكُون إجابةً لكثير من الأسئلة، نتفق عَلى مطعم في الظُهر، وتنتهي مُحادثتنا.
تُسرع اللحظات، تحدثني بعد صَلاة الظُهر بأنها ذاهبة وبانتظاري، أصل للطاولة التي حَجزتها لنا، أجدها غارِقة في التَفكير بكوبٍ من القهوة في يدها، تُسلّم عليّ فأرجف، أفضّل الزاوية على أن أكون قريبةً من المخرج، تطلبُ أكلًا خفيفًا، فالحديثُ هُنا دَسم !
- كيف حَالك ؟
أغرقُ في مَكاني وأجيبها بخفُوت : الحمد لله !.
تشربُ من قَهوتها، تُخبرني : أعلم تمامًا أنكِ لم تأتِ مُجبرة، وأنكِ راغبةٌ بإخباري لكنكِ مُترددةٌ خَجلة، لا بأس، لستُ سوى أختك، دعينا من مُسمى مُعلمة، مُوافقة ؟.
أومئ والدمعُ في عَيني يتخذُ مكانًا .. تُردف : إذن ماذا عن الصديقات ؟، يبدو أن هذا أهم ما يقف حاجزًا أمامك.
أشهق لمرة، أخبئ يداي في عباءَتي، ترانِي فتُخرج عبوة ماءٍ من حَقيبتها وتمدّها إليّ، أرفعُ بصري إليها .. نظرتُها أنطقتني : مُعلمتي، ما كنتُ لأتوقع أن الجامعة ستكُون بهذا السوء، ستفرّقنا تمامًا وأبقى وَحيدة، لم أعتقد للحظة أنني سأكُون كالمنبوذة بين مئات الطَالبات، والكُل معَ مَن يُحب وأنا وَحدي على أطرف جزءٍ من الحَياة، حَتى الصديقات الذين هُم صديقات -قَالوا: للأبد- تخلّوا، تخلوا عن كُل أمنياتنا السَابقة وأحلامنا وحَتى ذكرياتنا وصَنعوا عالمًا جديدًا ... .
- أما أخبرتكِ ألّا ترفعي سقف التوقعات ؟.
- ظننتُ أنني لا أتوقع شيئًا، وجدتني قد علوتُ بتوقَعاتي كثيرًا وتهشّمت بي، وجدتُني تحتَ أنقاض مسمى الأصدقاء، وجدتُ الكُل يتخلّى فيما أنا أنظرُ لهم وهم يبتعدُون بجَفاء ولا ينظروا للورَاء أبدًا، وجدتُهم يرحلوا، بقوةٍ وجَبروت، ليُكملوا حياتهم الأخرى، حياة جَديدة تمامًا، حَتى في العلاقات، وأنا ... .
أشهق ألف مرة وأبكي، وتظلّ هيَ تسمعني ولا تُقاطع، ولا تردّ، تنظرُ لي، تمدّ يدها بمنديل، أمسحُ به دمعي وأشمّ فيه رائحة عِطر صديقتي، أشهق وأبكي بحُرقة، تُتمتم : ذِكرى صديقة.
تضعُ يدها عَلى كتفي وتضم بيدها الأخرى يداي، تهمسُ لي : لا يتركُ الله رُوحًا دُونما عوض، إنه الفَراغ لرُوحٍ تَبقى للأبد، لروحٍ هيَ لكِ خَير.
تطبطب عَلى يدي، يستأذن النادِل فنعتدل في أماكننا وتأذن لهُ بالدخُول، يضعُ الأطباق ويذهب، تبتسمُ هيَ لي : أولُ غداءٍ لي معَ طالبةٍ .... .
أقاطعُها مُكملةً جُملتها : تعتبركِ أختها ومَرفأها وأمانها.
تَحكي لي أثناء غداءنا عَن حَائل وأجوائها وأول أسبوعٍ لها هُناك ومَدرستها وطَالباتها، أبادلها الحَديث والأسئلة والانفعَالات، تُعرّج على أيامها الجَامعية، ألحظُ أن أيامها تُشبهني كثيرًا، أسألُها : ليستْ المرة الأولى التي أشعر فيها بتشابُهنا.
- كما أنها ليست المرة الأولى التي يُصيب فيها شعوركِ ذا !.
- فيما سبق أخبرتكِ عن فقر الدَم، فأخبرتني أنكِ تُعانيه، ولعل مَن عَانى مُعاناتي أقربُ مَن يَفهمني على وَجه البَسيطة.
- على ذِكر ذلك اليَوم، لقد أخبرتني ألف وَجعٍ في لحظةٍ واحدة، لم أكد أعي شيء من كثرتِها وانزلاقها من لِسانكِ كأنكِ رددتِها لكي تكُون سلسةٍ عند إخباري بِها، طمئنيني عنكِ !.
أصمتُ وابتسم، تفتر شفتاي عن ضحكة، فتضحك وأضحكُ مَعها، تُردف : أنا مُتأخرة بسُؤالي لكني حقًا أقصد ما أقُول.
- لا، لم يكُن الأمر تأخيركِ بالسؤال بل (انزلاق) كُل ذلك دفعةً واحدة، أذكر ذلك اليوم، كنتُ مُرتبكة وملامحكِ المَصدومة جعلت بقية ما بجُعبتي ينزلق إلى الداخل، شعرتُ حينها أنني قلتُ الشيء الخَطأ، عَلى كُل حَال .... .
- كلا كلا، ما قلتِ شيئًا خطأً، لكني فِعلًا صُدمتُ آن ذاك، عُمُركِ صغير، لكنهُ بادٍ عليكِ إهمالُ الصحة.
- أنتِ حتى الآن لم تعرفي السبب .
- أوَ هُناك سبب !؟.
- أسفًا، لكن تَجاهلي، دعيني أجيب سؤالكِ السابق، أنا بخَيرٍ ولله الحَمد رُغم كل تلكَ الأمور التي أخبرتكِ بها، لا تهتمّي كثيرًا.
- أريد مَعرفة السبب.
تذكّرتُ حينَها أنها إن أرادت معرفةَ شيءٍ فستبلُغه، صمتُّ أفكر في إجابةٍ مُناسبة لا أكذب بها ولا تشعر أني أتهرّب من جواب سؤالها : أمورٌ نَفسية.
لاحت ببالي ذِكراها وهيَ تُخبرني أنها تُحب علم النفس، شعرتُ أنني قلتُ شيئًا خطأً، لا يمكن استرجاعه، أجابت : هي ؟.
- حساسية مُفرطة.
ولاحت ببالي ذِكرى أخرى أخبرتني بها ألا أكون حساسةً معها هي تحديدًا، شعرتُ أنني أغوص أعماقًا عظيمة، تنهّدتْ بصمتٍ وأكملت طَعامَها، وأكملتُ طعامي بحُلول الصمت ضيفًا لدقيقة، تحدثتْ : صعبةٌ أنتِ.
وأكملتْ طعامَها، لم أجب، انتظرتُها لتُكمل : تارةً تكونين سَهلة وتارةً أدركُ أنكِ صَعبة، أنتِ مُتناقضة، أنتِ شديدةٌ فيما تُريدي وسلسةٌ طيّبة فيما تُريدي، كتومة فلا تظهر حَساسيتك، لكنكِ حَساسة بإفراط، تُجيدين التَمثيل ... حينَ تُريدي.
صمتت لدَقائق، ولم أجد ردًا عَلى كُلامها، وَضعت ملعقتها عَلى الطاولة وأبعدت صَحنها الفارغ من أمامِها، فتحتْ منديلًا معطرًا ومسحت به يديها وفَمها، ونظرت لِي بحدةٍ ولُطف !: لن تمرّ عليكِ أيامُ الجامعة بسهُولة، عليكِ أن تتآلفي معَ ما حولكِ وما يَجري، تعتمدي على نَفسك، قد تجدي أصدقاء، لكن جِدي نفسكِ أولًا بينَ الزِحام ثم تأتي البقيةُ تِباعًا، يا أختي .. الحَياة تأتي بأشخاص وترحلُ بآخرين، وقد تُعيد لكِ الأحبةَ بعدَ حين، لا تَفقدي الأمل، أُنسكِ معَ الله يكفيكِ لإرجاع تلكَ البسمة، كوني أكثر ثِقة، رسيل ... ابدأي حَياتكِ الخَاصة اليَوم، دعي الراحلين، ومَن لا يهتم، أنتِ لله ثُم لوالديكِ ثُم لكِ، وبعدكِ بأميال مَن حولكِ، لا تفقديكِ في زحمةِ النَاس، تمسّكي بكِ قبل أن تتمسّكي بأيدي صديقة، وكُوني بخَير.
أعطتني منديلًا معطرًا مع جُملتها الأخيرة، شعرتُ أنني في عالمٍ آخر، كلامُها كان حَياة، لم يكُن مُجرد حَرف، كان قَلبًا يتحدّث، انتهيتُ وجئتُ أجيبها فأردفت : ليسَ لدي أصدقاء في حَائل !، لكني سأعيشُ هُناكَ عامًا، ورُبما عُمُرًا، أأنتكس ؟.
أجبتُها بلا تَردد : أبدًا مُعلمتي، ظلّي كما أنتِ وكما أحبكِ قلبي، وكَما شجَعتني وعَنيتِ بي وكُنتِ على طبيعتكِ وسجيّتكِ ورُوحك التي لم أجد لَها مثيل، كُوني تمامًا كما يُحب الله، أخبركِ مُجددًا : أنتِ لي أمان. معلمتي.. مُمتنة لهذه الساعة التي كُنا فيها معًا، عميقة، عُمق دَهر، لن أنساها لكِ ما حييت.
- جيّد، نخرج الآن ؟، سياراتنا أظنها تنتظرُنا، وهواتفنا تَرِنّ !.
كانَ فِعلًا هَاتفي وهَاتفها يهتزّان في حَقائبنا، ضحكنا لتوافقِ قَولها مع الاتصال، دفعت ثَمن طعامِنا وودّعتُها بابتسامة وصلتْها من تحتِ خِماري كما وَصلتني ابتسامتُها.
عدتُ لمنزلي .. أكثر حَيوية، أشد نشاطًا، أسعد فتاة !، حدّثتُها، شكرتُها، وكل أسبوعٍ أعطيها تقريرًا عَني، وتحكي لي مَوقفًا أو مَوقفين مَرّا بها في أسبوعها، ورُغم تباعد المُدة حينًا بعد حِين حَتى غَمَرنا شَهر بصَمت، إلا أنني حينَ حادثتُها كانت بذاتِ الرُوح، بذاتِ الكلمة "مُقصرة" ولا بُدّ مِن عِتابٍ لكلمتِها وحربٍ تُقام عَليها،

وتَبقى رُوح الأوفِياء لا يطُولها الزَمن، ولا نُقيم عَليها حِدادًا للأبد.

- ميعاد عبد العزيز المصيلحي
1437/10/18هـ * 8:56 صباح السبت.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق