لم أكن أعلم أنها ستترك فراغًا هائلًا خلفها، حتى سمعت: "لو بيدي أختار أخت؛ اخترت ابتهال" ولحظتها علمتُ أن سنين العمر لن تُنسى، والغصّات لن تهدأ.
أجلس مواسيةً ومعزّية، أحاول تغيير الأجواء، لكن يصلني ذلك الهمس: "أتخيلها تدخل: كيف حالك؟ أسوي لك قهوة تركي؟" وينكسر قلبي ألف انكسار، إذ أعرف أن الفقد لن يُتجاوز.
نجلس على أطراف الحكايات، نقلّب يمنة ويسرة، نضحك ونتشارك أفكارًا، ثم تخبو الابتسامة، أسأل.. وتكون ذكراها حاضرة، حاضرة بما لا نقدر على تجاهله مهما فعلنا، الحزن لم يُنه حصته.
ثلاثة أيامٍ مضت، ثقيلة على كل القلوب، وعلى أن يُقال بعد اسمها "الله يرحمها"، بالرغم من كل الذكر الطيب الذي خلّفته وراءها، هو سُلوان مريح ومطمئنٌ عنها، لكن ماذا عن قلوب الفاقدين؟ ماذا عن الذكريات هنا وهُناك؟ حتى البعيد ما جاوز الذكرى.. والقريب لا زال يرثي نفسه عندها.
يصل إلى باب منزله، يدخل ويذهب الأصحاب كلهم، قليلًا ثم يخرج، يتجاوز المفاوز، يدخل البقيع، يجلس عند قبرها.. ويكلمها! هكذا كان ليله الأول، كيف ينام دونها؟ كيف يدخل بيتًا ليست فيه؟ كيف يرى أشياءها ولا يناديها؟ كيف يصدّق أنه لن يراها؟ لن يراها! ولن يسمع صوتها، ولا ضحكتها التي تُسعد قلبه في أشد أحزانه.
اسم (ابتهال) يدور على المسامع من كل صوت، مهما حاولتُ أن أُعيد للأقربين بسمتهم فهي محاولة خاسرة، في ظل أن أعوامًا ثلاثين كانت المؤنسة فيها ابتهال، والضاحكة ابتهال، والخدومة ابتهال، الودودة البسيطة المرحة البارّة الـ الـ الـ... وتطول الصفات، وتظل لا يردفها إلا ابتهال، الله يرحمها.
أخوها... اللهم الطف به، وارحم حاله، واربط على قلبه وصبّره، وجميع فاقديها يا رب جميعهم، فقد كانت للكل أختًا وابنة وأمًا.
١٤٤٢/١٢/١هـ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق